ابن رشد
252
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
كتاب الوديعة وجل المسائل المشهورة بين فقهاء الأمصار هي في أحكام الوديعة : فمنها أنهم اتفقوا على أنها أمانة لا مضمونة ، إلا ما حكي عن عمر بن الخطاب . قال المالكيون : والدليل على أنها أمانة أن الله أمر برد الأمانات وليأمر بالاشهاد ، فوجب أن يصدق المستودع في دعواه رد الوديعة مع يمينه إن كذبه المودع ، قالوا : إلا أن يدفعها إليه ببينة فإنه لا يكون القول قوله ، قالوا : لأنه إذا دفعها إليه ببينة فكأنه ائتمنه على حفظها ولم يأتمنه على ردها ، فيصدق في تلفها ولا يصدق على ردها ، هذا هو المشهور عن مالك وأصحابه ، وقد قيل عن ابن القاسم إن القول قوله وإن دفعها إليه ببينة ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ، وهو القياس ، لأنه فرق بين التلف ودعوى الرد ، ويبعد أن تنتقض الأمانة ، وهذا فيمن دفع الأمانة إلى اليد التي دفعتها إليه . وأما من دفعها إلى غير اليد التي دفعتها إليه ، فعليه ما على ولي اليتيم من الاشهاد عند مالك وإلا ضمن ، يريد قول الله عز وجل : * ( فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ) * فإن أنكر القابض القبض فلا يصدق المستودع في الدفع عند مالك وأصحابه إلا ببينة ، وقد قيل إنه يتخرج من المذهب أنه يصدق في ذلك ، وسواء عند مالك أمر صاحب الوديعة بدفعها إلى الذي دفعها أو لم يأمر ، وقال أبو حنيفة : إن كان ادعى دفعها إلى أمره بدفعها فالقول قول المستودع مع يمينه ، فإن أقر المدفوع إليه بالوديعة ، أعني إذا كان غير المودع وادع التلف فلا يخلو أن يكون المستودع دفعها إلى أمانة وهو وكيل المستودع أو إلى ذمة ، فإن كان القابض أمينا فاختلف في ذلك قول ابن القاسم فقال مره : يبرأ الدافع بتصديق القابض ، وتكون المصيبة من الآمر الوكيل بالقبض ، ومرة قال : لا يبرأ الدافع إلا بإقامة البينة على الدفع أو يأتي القابض بالمال . وأما إن دفع إلى ذمة ، مثل أن يقول رجل للذي عنده الوديعة ادفعها إلي سلفا